أحمد بن علي القلقشندي
131
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ما لم ينالوا بحدّ المشرفيّات ! فقلت : كأنّك تريد كتابة الإنشاء دون سائر الكتابات ، وهي التي تقصدها بالتّصريح وتشير إليها بالكنايات ؛ فقال : وهل في أنواع الكتابة جملة نوع يساويها ، أو في سائر الصّنائع على الإطلاق صنعة تضاهيها ؟ إنّ لها للقدح المعلَّى ، والجيد المحلَّى ، والذّروة المنيفة ، والرّتبة الشّريفة ؛ كتّابها أسّ الملك وعماده ، وأركان الملك وأطواده ، ولسان المملكة النّاطق ، وسهمها المفوّق الرّاشق ؛ وللَّه حبيب بن أوس الطَّائيّ ( 1 ) حيث يقول : ولضربة من كاتب ببنانه أمضى وأقطع من رقيق حسام ! قوم إذا عزموا عداوة حاسد سفكوا الدّما بأسنّة الأقلام ! قلمها يبلَّغ الأمل ، ويغني عن البيض والأسل ؛ به تصان المعاقل ، وتفرّق الجحافل : فلكم يفلّ الجيش وهو عرمرم والبيض ما سلَّت من الأغماد ! فقلت : إن كتّاب الأموال يزعمون أن لهم في ذلك المقام الأعلى ، والطَّريقة المثلى ، ويستشهدون لفضلها ، وتقدّم أهلها ، بقول الإمام أبي محمد القاسم الحريريّ ، رحمه اللَّه ، في مقاماته ( 2 ) : « إنّ صناعة الحساب مبنيّة ( 3 ) على التّحقيق ، وصناعة الإنشاء مبنيّة على التّلفيق ، وقلم الحاسب ضابط ، وقلم المنشيء خابط ( 4 ) ؛ وبين إتاوة توظيف المعاملات ، وتلاوة طوامير السّجلَّات ، بون لا يدركه قياس ، ولا يعتوره التباس ؛ إذ الإتاوة تملأ الأكياس ، والتّلاوة تفرّغ الرّاس ، وخراج
--> ( 1 ) هو أبو تمام ، الشاعر الأشهر وأحد أمراء البيان . توفي سنة 231 ه . ( 2 ) في المقامة الثانية والعشرين المعروفة ب « الفرانيّة » . ( 3 ) في طبعة « دي ساسي » : موضوعة على التحقيق . ( 4 ) من خبط : إذا مشى على غير هداية . ويقال : خبط عشواء ، كما جاء في معلقة زهير .